أين قال السيد المسيح أنا هو الله فاعبدوني
من أكثر الأسئلة التي تتكرر في الحوار حول لاهوت السيد المسيح سؤال مهم وهو أين قال السيد المسيح أنا هو الله فاعبدوني. والإجابة الدقيقة من الكتاب المقدس هي أن المسيح لم ينطق بهذه الجملة حرفيًا بهذه الصياغة. لكن هذا لا يعني إطلاقًا أنه لم يعلن لاهوته. فالإنجيل يقدم مجموعة كبيرة من الأقوال والمواقف التي أعلن فيها المسيح وحدته مع الآب وسلطانه الإلهي وقبل السجود والعبادة من البشر.
الخلاصة أن إثبات لاهوت المسيح في الكتاب المقدس لا يعتمد على جملة واحدة فقط. بل يعتمد على مجموع أقواله وأعماله وشهادة تلاميذه والرسل وطريقة تعامل اليهود معه وقبوله للسجود والعبادة.
هل قال المسيح أنا الله فاعبدوني حرفيًا
لا توجد آية في الأناجيل تقول إن المسيح نطق بالحروف نفسها عبارة أنا هو الله فاعبدوني. وهذه نقطة يجب توضيحها بأمانة عند الإجابة عن السؤال. ولكن الكتاب المقدس لا يشترط أن يعلن المسيح لاهوته بهذه الجملة المباشرة حتى يكون المعنى واضحًا.
فالكتاب المقدس يعرض لنا أقوالًا قالها المسيح عن نفسه ثم يوضح رد فعل اليهود عليها. كما يعرض لنا مواقف قبل فيها المسيح السجود. ويقدم أيضًا شهادة الرسل الذين أعلنوا بوضوح أن المسيح هو الله الظاهر في الجسد.
أنا والآب واحد
من أقوى النصوص التي تكشف عن لاهوت المسيح قول السيد المسيح في إنجيل يوحنا.
«أنا والآب واحد» يوحنا 10 30.
لم يفهم اليهود هذه الكلمات على أنها مجرد اتفاق في الرأي أو المحبة. بل أخذوا حجارة ليرجموه. وعندما سألهم المسيح عن سبب رغبتهم في رجمه أوضحوا السبب بقولهم إنه وهو إنسان يجعل نفسه إلهًا.
«لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا» يوحنا 10 33.
وهنا تظهر أهمية النص. فالمسيح لم يصحح فهمهم قائلًا إنكم أسأتم فهمي بالكامل. بل استمر في حديثه عن علاقته الفريدة بالآب.
قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن
قال السيد المسيح في إنجيل يوحنا كلامًا شديد الوضوح عن وجوده السابق لإبراهيم.
«الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» يوحنا 8 58.
المثير للانتباه أن المسيح لم يقل فقط قبل أن يكون إبراهيم كنت موجودًا. بل استخدم تعبير أنا كائن. وبعد هذا القول مباشرة أخذ اليهود حجارة ليرجموه.
وهذا النص يرتبط بفهم الاسم الإلهي الذي أعلنه الله لموسى في سفر الخروج عندما قال «أهيه الذي أهيه». لذلك يرى التفسير المسيحي التقليدي أن استخدام المسيح لهذا التعبير يحمل إعلانًا قويًا عن هويته الإلهية ووجوده الأزلي.
من رآني فقد رأى الآب
في حديث المسيح مع فيلبس قال له كلامًا لا يمكن اعتباره مجرد وصف لنبي عادي.
«الذي رآني فقد رأى الآب» يوحنا 14 9.
المسيح لا يقول إنني مجرد شخص يشير إلى الله مثل بقية الأنبياء. بل يعلن علاقة فريدة بينه وبين الآب. وهذا يتفق مع بداية إنجيل يوحنا التي تقول إن الكلمة كان عند الله وإن الكلمة كان الله.
توما قال للمسيح ربي وإلهي
بعد القيامة ظهر المسيح لتلاميذه ثم ظهر لتوما. وعندما رأى توما المسيح القائم من الموت قال له مباشرة.
«ربي وإلهي» يوحنا 20 28.
وهذه من أوضح الآيات في موضوع لاهوت المسيح. توما لم يقل فقط يا سيدي أو يا معلمي. بل خاطب المسيح قائلًا ربي وإلهي. والأهم أن المسيح لم يرفض هذا الإعلان ولم يقل لتوما لا تقل ذلك عني. بل قبل إيمانه وأعلن تطويب الذين آمنوا دون أن يروا.
المسيح قبل السجود والعبادة
هناك فرق مهم بين احترام الأنبياء وبين قبول العبادة. الكتاب المقدس يقدم أكثر من موقف سجد فيه الناس للمسيح وقبل المسيح هذا السجود.
- المجوس سجدوا له في إنجيل متى 2.
- التلاميذ سجدوا له بعد تهدئة البحر في متى 14 33.
- المسيح قبل سجود الأعمى الذي آمن به في يوحنا 9 38.
- بعد القيامة سجد له التلاميذ في متى 28 17.
وهذه النصوص مهمة جدًا لأن الكتاب المقدس يرفض عبادة المخلوق ويؤكد أن العبادة لله. ومع ذلك نرى المسيح يقبل السجود والإكرام الإلهي دون أن يصحح الأشخاص الذين سجدوا له.
المسيح طلب أن يكرم مثل الآب
من أقوى الأقوال التي أعلن بها المسيح مكانته الإلهية قوله في إنجيل يوحنا.
«لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب» يوحنا 5 23.
هذا النص لا يتحدث عن احترام عادي. المسيح يطلب أن يكون إكرام الابن كما إكرام الآب. ثم يربط هذا الأمر بالإيمان والحياة الأبدية والدينونة.
شهادة الرسول بولس عن لاهوت المسيح
لم تكن عقيدة لاهوت المسيح مبنية على تفسير متأخر ظهر بعد الرسل. فالرسول بولس أعلن بوضوح أن المسيح هو صورة الله غير المنظور وأن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا.
«فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا» كولوسي 2 9.
وهذه الآية من أقوى النصوص الرسولية في موضوع طبيعة المسيح. فالحديث ليس عن جزء من اللاهوت أو مجرد قرب روحي من الله. بل عن ملء اللاهوت في المسيح.
شهادة القديس يوحنا عن المسيح
يبدأ إنجيل يوحنا بإعلان واضح عن الكلمة.
«في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله» يوحنا 1 1.
ثم يوضح يوحنا أن الكلمة صار جسدًا وسكن بيننا. وهنا يقدم الإنجيل الإيمان المسيحي بأن الذي صار إنسانًا هو الكلمة الأزلي الذي هو الله.
ماذا قال آباء الكنيسة عن لاهوت المسيح
أكد آباء الكنيسة أن الإيمان بلاهوت المسيح ليس فكرة جديدة بل هو الإيمان الرسولي الذي حفظته الكنيسة منذ العصر الرسولي.
القديس أثناسيوس الرسولي
شرح القديس أثناسيوس أن المسيح هو كلمة الله الأزلي وأنه ليس مخلوقًا من المخلوقات. وكان دفاعه الأساسي ضد الأريوسية قائمًا على أن الابن واحد مع الآب في الجوهر وأن خلاص الإنسان مرتبط بحقيقة أن الذي صار إنسانًا هو كلمة الله نفسه.
القديس كيرلس الكبير
أكد القديس كيرلس الكبير أن المسيح هو كلمة الله المتجسد وأن الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في شخص المسيح هو أساس الإيمان المسيحي. لذلك فالكنيسة لا تؤمن بإنسان عادي سكن فيه الله فقط بل تؤمن بالكلمة الذي صار إنسانًا من أجل خلاصنا.
لماذا لم يقل المسيح جملة أنا هو الله فاعبدوني
هذه النقطة تحتاج إلى فهم سياق الأناجيل. المسيح عاش في بيئة يهودية تؤمن بإله واحد. ولذلك استخدم أسلوبًا يعلن هويته الإلهية من خلال أقوال وأعمال ورموز كتابية يعرفها اليهود جيدًا.
ولهذا نجد في الأناجيل إعلان وجوده قبل إبراهيم. ووحدته مع الآب. وسلطانه على الخطايا. وسلطانه على الموت. وقبوله السجود. وإعلانه أن من رأى الابن فقد رأى الآب. ثم تأتي شهادة الرسل لتعلن صراحة أن فيه ملء اللاهوت.
ملاحظة مهمة
إذا سألك شخص أين قال المسيح حرفيًا أنا هو الله فاعبدوني فالإجابة الصادقة هي أنه لم يقل هذه الجملة بهذه الصياغة. لكن الكتاب المقدس يقدم أدلة متعددة ومترابطة على لاهوت المسيح. ومن الخطأ اختزال عقيدة بهذه الضخامة في البحث عن جملة واحدة فقط.
أقوى الآيات التي يمكن الرجوع إليها
- يوحنا 1 1 عن ألوهية الكلمة.
- يوحنا 5 23 عن إكرام الابن كما يكرم الآب.
- يوحنا 8 58 عن وجود المسيح قبل إبراهيم.
- يوحنا 10 30 عن وحدة المسيح مع الآب.
- يوحنا 14 9 عن رؤية الآب في الابن.
- يوحنا 20 28 عن اعتراف توما بالمسيح كإله.
- كولوسي 2 9 عن ملء اللاهوت في المسيح.
- متى 14 33 عن سجود التلاميذ للمسيح.
- متى 28 17 عن سجود التلاميذ للمسيح بعد القيامة.
- يوحنا 9 38 عن سجود الرجل الذي شفاه المسيح.
الخلاصة النهائية
عند البحث عن إجابة سؤال أين قال السيد المسيح أنا هو الله فاعبدوني يجب أن نكون دقيقين. المسيح لم يقل هذه العبارة حرفيًا. لكن الكتاب المقدس يقدم إعلانًا متكاملًا عن لاهوته من خلال أقوال المسيح نفسه ومن خلال أعماله وقبول السجود له وشهادة الرسل وتعليم الكنيسة الأولى.
وأقوى ما في الموضوع أن الأدلة لا تقف عند آية واحدة. فعندما نجمع يوحنا 1 1 ويوحنا 8 58 ويوحنا 10 30 ويوحنا 14 9 ويوحنا 20 28 وكولوسي 2 9 مع نصوص السجود للمسيح تظهر الصورة الكتابية بصورة متكاملة. لذلك فإن الإيمان المسيحي بلاهوت السيد المسيح ليس مبنيًا على جملة أنا هو الله فاعبدوني حرفيًا بل على شهادة كتابية متكاملة تعلن أن يسوع المسيح هو كلمة الله المتجسد وأن فيه ملء اللاهوت.
